اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

160

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

« وقد ذكرنا بغداد وسرّ من رأى وبدأنا بهما لأنهما مدينتا الملك . ودار الخلافة ووصفنا ابتداء أمر كل واحدة منهما فلنذكر الآن سائر البلدان والمسافات فيما بين كل بلد وبلد ومدينة ومدينة على قسم أربعة حسب ما تقسم عليه أقطار الأرض بين المشرق والمغرب ومهب الجنوب وهو القبلة وهو مطلع سهيل الذي يسميه الحسّاب التّيمن ومهب الشمال وهو كرسىّ بنات نعش الذي يسميه الحساب الجدى ونصف كل بلد إلى الربع الذي هو منه والذي يتصل به وباللّه التوفيق » 33 . وقد التزم المؤلف في جميع كتابه هذا المنهج في الوصف أي حسب الجهات الأصلية الأربعة ، فالقطاع الأول شمل الكلام على إيران وتركستان وأفغانستان مع فصول مفردة - - لحكام خراسان وسجستان ؛ والثاني يشمل غربى العراق وغربى وجنوبي الجزيرة العربية ؛ والثالث يشمل العراق الجنوبية والشرقية وشرقي الجزيرة العربية والهند والصين ؛ أما الرابع فبيزنطة ومصر والنوبة وشمال أفريقيا . والقسمان الثالث والرابع من الكتاب مفقودان في المخطوطة ؛ وثمة عشر صفحات من المخطوطة عبثت بها يد البلى بصورة ضاعت معها خاتمة وصفه للبصرة ووصفه لبلاد العرب الشرقية وخوزستان وفارس والهند وجميع الشمال وبداية الغرب 34 . ومن المستحيل إنكار النزعة التجديدية في هذا التقسيم على أساس الولايات ؛ أما طرق المواصلات فقد نالت اهتماما كافيا بالرغم من أن المراحل لم تضبط بالدقة التي التزمها ابن خرداذبه . واهتمام اليعقوبي يتجه بالذات إلى الجانب الاحصائى الطوبوغرافى ، وهو يولى عناية كبرى للخراج ؛ ولكن كتابه يحفل أيضا بمسائل الاثنوغرافيا والصناعة والفنون . وقد اعترف عدد من الباحثين بأمانة اليعقوبي العلمية وتفرده بمعلومات وافية لا توجد في المصادر الأخرى . ويمثل وصفه للخطط التاريخية لبغداد وسامرا أهمية منقطعة النظير ، كما يجب ملاحظة أنه ترك وصفا لأفريقيا قبل انفصالها مباشرة عن بقية أراضي الخلافة على يد الفاطميين وأنه أورد أخبارا قيمة عن الأندلس من بينها خبر إغارة النورمان عليها في سنة 844 حيث ترد في صدد ذلك عبارته التي اشتهرت بالتالي وهي « الذين يقال لهم الروس » ، مما أدى إلى اشتهار اسم اليعقوبي في الدوائر العلمية وظهور عدد من الأبحاث حول هذا . وأول من لفت الأنظار إلى ذلك فرين في عام 1838 35 اعتمادا على المخطوطة التي اكتشفها مخلينسكى قبل ذلك بقليل ؛ وقد جمع فرين بما عهد فيه من الدقة كل ما استطاع جمعه عن المؤلف وكتابه ؛ وفي نفس العام بين سنكوفسكى Senkovski لجمهرة القراء أهمية الاكتشاف الذي قام به فرين وذلك في مقال له بعنوان « أصل الروس » O Proiskhojdenii Russov 36 . وبعد عشرة أعوام من هذا تمكن رينو استنادا على بحث فرين من تعريف الدوائر العلمية العريضة في أوروبا بشخصية المؤلف وذلك في مقدمته المشهورة في الجغرافيا العربية 37 . وقد أصبح المتن في متناول الأيدي بفضل الطبعات الجزئية والترجمة بقلم دى خويه ( 1860 ) ويينبول llobnyuJ ( 18561 ) وتلى هذا أن ضمنه هركفى Harkavi في عرضه العام ( 1870 ) 38